عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
414
اللباب في علوم الكتاب
ونظيره قوله في سورة يونس : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [ يونس : 48 ، 49 ] . قال ابن عبّاس : إنّ أهل مكة قالوا : يا محمّد ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فنشتري به ، ونربح فيه عند الغلاء ، وبالأرض التي تريد أن تجدب ، فنرحل عنها إلى ما قد أخصبت ؛ فأنزل اللّه هذه الآية « 1 » . وقيل : لمّا رجع عليه الصّلاة والسّلام من غزوة بني المصطلق جاءت ريح في الطّريق ففرت الدوابّ فأخبر عليه الصلاة والسلام بموت رفاعة بالمدينة ، وكان فيه غيظ للمنافقين ، وقال انظروا أين ناقتي ؟ فقال عبد اللّه بن أبي : ألا تعجبون من هذا الرّجل يخبر عن موت رجل بالمدينة ، ولا يعرف أين ناقته ! فقال - عليه الصلاة والسلام - إنّ ناسا من المنافقين قالوا كيت وكيت ، وناقتي في هذا الشعب قد تعلّق زمامها بشجرة ، فوجدوها على ما قال ؛ فأنزل اللّه عز وجل قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا . قوله : « لنفسي » فيه وجهان : أحدهما : أنّها متعلقة ب « أملك » . والثاني : أنّها متعلقة بمحذوف على أنّها حال من نفعا ؛ لأنه في الأصل صفة له لو تأخر ، ويجوز أن يكون لنفسي معمولا ب « نفعا » واللّام زائدة في المفعول به تقوية للعامل ؛ لأنّه فرع إذ التّقدير : لا أملك أن أنفع نفسي ولا أن أضرّها ، وهو وجه حسن . قوله إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ في هذا الاستثناء وجهان : أظهرهما : أنّه متّصل ، أي إلّا ما شاء اللّه تمكيني منه فإني أملكه . والثاني : أنّه منفصل - وبه قال ابن عطيّة - ، وسبقه إليه مكيّ ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك . فصل [ في دلالة هذه الآية على خلق الأعمال ] دلّت هذه الآية على مسألة خلق الأعمال ؛ لأنّ الإيمان نفع والكفر ضرّ ؛ فوجب أن لا يحصلان إلّا بمشيئة اللّه تعالى ؛ لأنّ القدرة على الكفر إن لم تكن صالحة للإيمان فخالق تلك الدّاعية الجازمة يكون مريدا للكفر ، فعلى جميع التقديرات : لا يملك العبد لنفسه نفعا ، ولا ضرّا إلا ما شاء اللّه . أجاب القاضي عنه بوجوه : أحدها : أن ظاهر الآية ، وإن كان عاما بحسب اللّفظ إلّا أنّا ذكرنا أنّ سبب النّزول قول الكفّار : « يا محمّد ألا يخبرك ربّك بوقت السعر الرخيص قبل أن يغلو » فيحمل اللفظ
--> ( 1 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 276 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس ؛ وذكره البغوي في « تفسيره » ، ( 2 / 220 ) .